الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

248

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وأما اسم المخصوص فهو بمنزلة البيان بعد الإجمال فهو مبتدأ خبره محذوف أو خبر مبتدإ محذوف ، ولذلك عدّ باب نعم وبئس من طرق الإطناب . والمثوى : محل الثواء ، والثواء : الإقامة الدائمة ، وأوثر لفظ مَثْوَى دون ( مدخل ) المناسب ل ادْخُلُوا لأن المثوى أدل على الخلود فهو أولى بمساءتهم . والمراد بالمتكبرين : المخاطبون ابتداء لأنهم جادلوا في آيات اللّه عن كبر في صدورهم كما قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ [ غافر : 56 ] ولأن تكبرهم من فرحهم . وإنما عدل عن ضميرهم إلى الاسم الظاهر وهو الْمُتَكَبِّرِينَ للإشارة إلى أن من أسباب وقوعهم في النار تكبرهم على الرسل . وليكون لكل موصوف بالكبر حظ من استحقاق العقاب إذا لم يتب ولم تغلب حسناته على سيئاته إن كان من أهل الإيمان . [ 77 ] [ سورة غافر ( 40 ) : آية 77 ] فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ( 77 ) قد كان فيما سبق من السورة ما فيه تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ما تلقّاه به المشركون من الإساءة والتصميم على الإعراض ابتداء من قوله في أول السورة فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ [ غافر : 4 ] ثم قوله : أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ [ غافر : 21 ] ، ثم قوله : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا [ غافر : 51 ] ثم قوله : فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [ غافر : 55 ] الآية ، ففرع هنا على جميع ما سبق وما تخلله من تصريح وتعريض أن أمر اللّه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالصبر على ما يلاقيه منهم ، وهذا كالتكرير لقوله فيما تقدم فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [ غافر : 55 ] . وذلك أن نظيره المتقدم ورد بعد الوعد بالنصر في قوله : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ [ غافر : 51 ] ثم قوله : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ [ غافر : 53 ] الآية ، فلما تمّ الكلام على ما أخذ اللّه به المكذبين من عذاب الدنيا انتقل الكلام إلى ذكر ما يلقونه في الآخرة بقوله : الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ [ غافر : 70 ، 71 ] الآيات ، ثم أعقبه بقوله : فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ عودا إلى بدء إذ الأمر بالصبر مفرّع على ما اقتضاه قوله : فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ [ غافر : 4 ، 5 ] الآيات ، ثم